فخر الدين الرازي

157

تفسير الرازي

الوجه الأول : وهو الذي ذكره الجبائي قال : إن هذا الكلام خرج مخرج الأمر ومعناه الزجر ، كقوله تعالى : * ( واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب ) * وكذلك قوله : * ( وليرضوه وليقترفوا ) * ( الأنعام : 113 ) وتقدير الكلام كأنه قال للرسول : فذرهم وما يفترون ثم قال لهم على سبيل التهديد ولتصغى إليه أفئدتهم وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون . والوجه الثاني : وهو الذي اختاره الكعبي أن هذه اللام لام العاقبة أي ستؤول عاقبة أمرهم إلى هذه الأحوال . قال القاضي : ويبعد أن يقال : هذه العاقبة تحصل في الآخرة ، لأن الإلجاء حاصل في الآخرة ، فلا يجوز أن تميل قلوب الكفار إلى قبول المذهب الباطل ، ولا أن يرضوه ولا أن يقترفوا الذنب ، بل يجب أن تحمل على أن عاقبة أمرهم تؤل إلى أن يقبلوا الأباطيل ويرضوا بها ويعملوا بها . والوجه الثالث : وهو الذي اختاره أبو مسلم . قال : " اللام " في قوله : * ( ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ) * متعلق بقوله : * ( يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ) * والتقدير أن بعضهم يوحي إلى بعض زخرف القول ليغروا بذلك * ( ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ) * الذنوب ويكون المراد أن مقصود الشياطين من ذلك الإيحاء هو مجموع هذه المعاني . فهذا جملة ما ذكروه في هذا الباب . أما الوجه الأول : وهو الذي عول عليه الجبائي فضعيف من وجوه ذكرها القاضي . فأحدها : أن " الواو " في قوله : * ( ولتصغى ) * تقتضي تعلقه بما قبله فحمله على الابتداء بعيد . وثانيها : أن " اللام " في قوله : * ( ولتصغى ) * لام كي فيبعد أن يقال : إنها لام الأمر ويقرب ذلك من أن يكون تحريفاً لكلام الله تعالى وأن لا يجوز . وأما الوجه الثاني : وهو أن يقال : هذه اللام لام العاقبة فهو ضعيف ، لأنهم أجمعوا على أن هذا مجاز وحمله على " كي " حقيقة فكان قولنا أولى . وأما الوجه الثالث : وهو الذي ذكره أبو مسلم فهو أحسن الوجوه المذكورة في هذا الباب : لأنا نقول : إن قوله : * ( يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ) * يقتضي أن يكون الغرض من ذلك الإيحاء هو التغرير . وإذا عطفنا عليه قوله : * ( ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون ) * فهذا أيضاً عين التغرير لا معنى التغرير ، إلا أنه يستميله إلى ما يكون باطنه قبيحاً . وظاهره حسناً ، وقوله : * ( ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون ) * عين هذه الاستمالة فلو عطفنا لزم أن يكون المعطوف عين المعطوف عليه وأنه لا يجوز ، أما إذا قلنا : تقدير الكلام وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من شأنه أن يوحي